صديق الحسيني القنوجي البخاري

56

فتح البيان في مقاصد القرآن

لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ مقررة لمضمون ما قبلها ، والمعنى أن ما يكون بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال ، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض لم يتم له طلبه من التأليف لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جدا . وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بعظيم قدرته وبديع صنعه ، وفي دليل على أن القلوب بيد اللّه يصرفها كيف يشاء إِنَّهُ عَزِيزٌ لا يغالبه مغالب ولا يستعصي عليه أمر من الأمور حَكِيمٌ في تدبيره ونفوذ أمره ونهيه . وعن ابن مسعود قال : إن هذه الآية نزلت في المتحابين في اللّه ، وهذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد اللّه بهم رسوله صلى اللّه عليه وسلم وفيه رد على الرافضة حيث اعتقدوا في الصحابة ما يخالف تأليف اللّه تعالى بينهم ، وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال : مكتوب على العرش لا إله إلا اللّه أنا اللّه وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي وذلك قوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين واللّه أعلم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 64 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ في كل شيء وعند كل مهم ، ليس هذا تكريرا لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة الخدع وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك اللّه فتلك كفاية خاصة ، وفي هذه كفاية عاملة غير مقيدة ، أي حسبك اللّه في كل حال فيما بينك وبين الكفرة من الحراب . والواو في قوله : وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الجليل والعلم الشريف على أنه في محل الرفع ، والمعنى حسبك اللّه وحسبك المؤمنون أي كافيك اللّه وكافيك المؤمنون . قال علي المهايمي في تفسيره تبصير الرحمن : حسبك اللّه وإن لم يكن معك أحد وإن نظرت إلى السببية حسبك من اتبعك من المؤمنين وإن لم يألفهم من لم يتم اتباعهم لك فإن لمتابعتك أثرا عظيما في سببية النصر انتهى . وقال أبو السعود والقاضي : الجملة في محل النصب على أنه مفعول معه أي كفاك وكفى اتباعك اللّه ناصرا كقوله : إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا * فحسبك والضحاك عضب مهنّد « 1 » انتهى . واختاره النحاس ، وقال الفراء : انه يقدر نصبه على موضع الكاف واختاره ابن

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لجرير في ذيل الأمالي ص 140 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 7 / 581 ، وسمط اللآلي ص 899 ، وشرح الأشموني 1 / 224 ، وشرح شواهد الإيضاح -